الترميز «منخفض التكلفة» والهندسة الحقيقية للأصول: عالمان يلعبان في دوريين مختلفين ويختلطان اليوم على نحو خطير

الترميز «منخفض التكلفة» والهندسة الحقيقية للأصول: عالمان يلعبان في دوريين مختلفين ويختلطان اليوم على نحو خطير

بقلم الدكتور Antonio Tejeda Encinas، الرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corporation، ورئيس Euro-American Committee of Digital Law - CEA Digital Law

1. نقطة الانطلاق: Securitize وCNMV والقراءة السطحية للحدث

استُقبل ترخيص CNMV (اللجنة الوطنية لسوق الأوراق المالية في إسبانيا) لـSecuritize بوصفها نظام تداول وتسوية قائماً على تقنية السجلات الموزعة (SNL DLT) بموجب اللائحة (الاتحاد الأوروبي) 2022/858، على أنه تأكيد بأن «البورصة المرمَّزة» صارت واقعاً في إسبانيا. إنها خطوة مهمة: فللمرة الأولى في بلدنا تحصل بنية تحتية قائمة على تقنية السجلات الموزعة تجمع بين التداول والتسوية على الضوء الأخضر.

المشكلة ليست في قرار CNMV، بل في طريقة قراءته.

إذ يُقدَّم هذا الحدث كما لو كان كافياً للقول إن المنظومة الإسبانية باتت تملك إطاراً ناضجاً لـ«ترميز أي شيء»، بأي طريقة، وفي أي مرحلة. والأمر ليس كذلك. فوجود بنية تحتية لا يحسم وحده المسألة الجوهرية: كيف هُيكل الأصل الذي يُرفع إلى تلك البنية؟

2. الخطأ المفاهيمي: الخلط بين السوق الثانوية وهندسة الأصل

تدور النشوة الحالية حول السوق الثانوية: الإدراج، والتداول، والسيولة، وسهولة الوصول.

لكن هذه الطبقة كلها تقوم على سؤال سابق قلّما يُطرح بوضوح:

ما الحق الذي يكتسبه المستثمر بالضبط حين يشتري ذلك الرمز الرقمي (token)؟

إذا لم يكن الجواب محصّناً قانونياً، فلا فرق إن جرى تداول الرمز في SNL DLT، أو في منصة تداول متعددة الأطراف (MTF) تقليدية، أو في منصة تَعِد بـ«دمقرطة» الاستثمار. سنظل نتحدث عن هياكل هشة، معرّضة لمشكلات تنظيمية وضريبية وأخرى تمس السمعة.

التكنولوجيا تحلّ مسألة النقل، والهندسة القانونية تحلّ مسألة المضمون. والسوق اليوم تتحدث كثيراً عن الأولى وقليلاً جداً عن الثانية.

3. دوريان مختلفان: دمقرطة الاستثمار لصغار المستثمرين مقابل الهيكلة المؤسسية

يتعايش اليوم، في الواقع، منطقان مختلفان.

من جهة، منطق «ديمقراطي» موجّه إلى المستثمر الفرد، يتيح المشاركة في العمليات بمبالغ لا تتجاوز 50 أو 100 أو 500 يورو. وقيمته واضحة: فهو يفتح الأبواب أمام من لم يكن ليصل يوماً إلى أصول بعينها.

ومن جهة أخرى، منطق مؤسسي أو شبه مؤسسي، نتحدث فيه عن عمليات تتراوح بين 5 و50 مليوناً (أو أكثر)، يقف وراءها مُصدِرون لا يسعون إلى «دمقرطة» أي شيء، بل إلى تحسين هياكلهم، وتنويع مصادر تمويلهم، ودمج الطبقة الرقمية في منظومات خاضعة للتنظيم أصلاً، وكل ذلك دون أن يُحدثوا مشكلة مع جهتهم الرقابية أو مدقق حساباتهم أو شركتهم الأم الدولية.

ووفقاً لبيانات حديثة، بلغت السوق العالمية للأصول المرمَّزة 24 مليار دولار في عام 2025، بنموّ نسبته 308% خلال ثلاث سنوات. وتقدّر توقعات Standard Chartered أنها قد تصل إلى 30 تريليوناً بحلول عام 2034. وهذا التوسع لا يُلغي الحاجة إلى هندسة قانونية متينة، بل يضاعفها.

وخطأ الخطاب الراهن أنه يعامل العالمين كما لو كانا قابلين للتبادل. وهما ليسا كذلك. فهما يشتركان في كلمة «token»، لكنهما يعيشان في أطر قانونية واقتصادية ومعايير سمعة مختلفة تماماً.

4. الترميز «منخفض التكلفة»: مفيد، لكنه لا يصلح لكل سيناريو

تترسخ في إسبانيا وفي أسواق أخرى نماذج فعّالة جداً للترميز منخفض التكلفة (low cost). فهي تبسّط الدخول، وتخفض التكاليف، وتختصر الآجال، وتتيح لصغار المستثمرين الوصول إلى حصص من أصول كانت من قبل خارج متناولهم.

وهذا أمر إيجابي، لكنه إيجابي في دوريّه.

تبدأ المشكلة حين يُراد نقل هذا النهج ذاته إلى عمليات تشمل عدة ولايات قضائية، أو تقتضي هياكل شركات متسلسلة، أو تندرج في قطاعات شديدة التنظيم (الطاقة، والقطاع المالي، والقطاع السمعي البصري)، أو تولّد تدفقات اقتصادية تتقاطع مع أنظمة ضريبية مختلفة.

أما الزعم بأن عملية معقدة يمكن أن تُعالج بالمنطق نفسه الذي يحكم شراء «قطعة من شقة مرمَّزة» بمئة يورو، فهو وهم خطير.

5. النواة الحقيقية: الأصل لا الرمز

الرمز الرقمي واجهة تقنية. ليس هو الأصل، ولا العملية، ولا النشاط التجاري.

فمن يشتري رمزاً رقمياً إنما يشتري في الحقيقة مركزاً قانونياً داخل هيكل محدد، له نظام ضريبي معيّن، وتوقّع لحقّ ما (تحصيل، أو مشاركة، أو استعمال، أو وصول)، ومنظومة من الضمانات والحوكمة والمسؤولية تقف وراءه.

وإن لم يكن ذلك الهيكل محدداً بإحكام، فقد ينتقل الرمز بسرعة كبيرة… نحو نزاع.

لقد ولّد الهوس بـ«الابتكار التكنولوجي» وهماً مفاده أن المشكلة تكمن في اختيار سلسلة الكتل (blockchain) المناسبة، أو معيار الرمز الصحيح، أو المنصة الأيسر استخداماً. وفي الشريحة المؤسسية، هذا كله أمر ثانوي. فالحاسم هو ما يمثّله الرمز، وكيف تُمنح له حياة قانونية وتنظيمية.

6. لائحة أسواق الأصول المشفّرة (MiCA) ليست ملاذاً لأي رمز يمثّل أصلاً حقيقياً

منذ اعتماد MiCA ترسّخت رواية خطيرة: فكرة وجود فضاء واسع لـ«الأصول المشفّرة غير المالية» يتسع لكل شيء ما دام لا يُسمّى «ورقة مالية قابلة للتداول».

وهي قراءة خاطئة.

تنطبق MiCA على الأصول المشفّرة التي ليست أدوات مالية. لكن إذا كان تصميم الرمز يَعِد بعائد، أو يربط النجاح الاقتصادي للمستثمر بنجاح المُصدِر، أو يمنح حقوق دائنية أو مشاركة، أو يحاكي سلوك الورقة المالية، فإن النطاق التنظيمي ليس MiCA، بل توجيه MiFID II / Ley del Mercado de Valores (قانون سوق الأوراق المالية الإسباني).

وهكذا، فإن كثيراً من المشاريع التي تُسوَّق اليوم على أنها «رموز منفعة (utility tokens) مرتبطة بأصول حقيقية» لا تقع فعلياً في نطاق MiCA، بل على تخوم نطاق الأوراق المالية القابلة للتداول، أو في داخله مباشرة. وهذا الفارق لا تحسمه الشعارات.

7. الحالة الإسبانية: ما يعلّمنا إياه (حقاً) إصدار أُنجز كما ينبغي

إن مثال إصدارات مثل Dianelum، بوجود جهة ERIR مرخّصة (الجهة المسؤولة عن إدارة القيد والتسجيل)، ومنصة SaaS، ووكالة أوراق مالية، وحفظ أمين احترافي، لا يُثبت أن «أي أحد يستطيع الترميز»، بل يُثبت العكس.

يُثبت أن الأمر احتاج إلى هندسة قانونية متينة، وتنسيق دقيق بين المنصة وجهة ERIR والجهة الحافظة والمستشار القانوني، وانسجام واضح مع Ley del Mercado de Valores.

بعبارة أخرى: الإصدار الجاد يعيدنا إلى نقطة البداية. فلإصدار أصل مرمَّز قابل للصمود قانونياً، ليس السؤال الحاسم «على أي شبكة نبنيه؟»، بل «ما الذي نُصدره بالضبط، وبموجب أي نظام قانوني؟».

8. من يخدم اليوم الفضاء المعقد… وأين لا تزال هناك ثغرة

من الخطأ القول إن فضاء العمليات التي تتراوح بين 5 و50 مليوناً «لا يغطيه أحد». ومن السذاجة أيضاً إنكار دور كبرى مكاتب المحاماة الدولية، والمنصات المتكاملة، والمكاتب المتخصصة رفيعة المستوى.

هذا النسيج موجود، ويعمل جيداً في حالات كثيرة.

أما الثغرة القائمة فتقع في ميدان محدد: عمليات تعبر عدة ولايات قضائية على نحو غير نمطي (أوروبا–أمريكا اللاتينية–أفريقيا)، وتجمع بين التنظيم المالي والتنظيم القطاعي (الطاقة، والقطاع السمعي البصري، واقتصاد البيانات)، وتتطلب قراءة مؤسسية وجيو-تكنوسياسية، وتحتاج إلى هندسة مرنة يُتفاوض عليها مع أطراف مقابلة متعددة.

ففي هذه المشاريع، لا توفر الهياكل العمودية التقليدية، على قوتها الكبيرة في مجالها الطبيعي، ما يلزم دائماً من مرونة وتنسيق متعدد المستويات حين تكون العملية لا تزال في طور التصوّر.

وهنا يكتسب الحديث عن الهندسة الاستراتيجية بوصفها وظيفة قائمة بذاتها معناه.

9. أين تقع META Channel Corporation على هذه الخريطة

ليست META Channel Corporation منصة ترميز، ولا بنية تحتية للسوق، ولا SNL DLT، ولا مزوّد خدمات SaaS ينافس Securitize أو Token City أو غيرهما من الفاعلين في المنظومة.

كما أنها لا تقدّم نفسها بديلاً عن كبرى مكاتب المحاماة أو عن شركات Big Four في مجالها الطبيعي.

فوظيفتها، من خلال قسم TokenLab by META Channel Corporation، تأتي قبل اختيار المنصة أو البنية التحتية. ينصبّ التركيز على تصميم العملية، لا على تنفيذها التكنولوجي.

ومن الناحية الوظيفية، فإن META Channel Corporation:

تصمّم الهياكل القانونية وهياكل الشركات لمشاريع تتضمن ترميز أصول حقيقية؛

وتحلّل مدى الانسجام مع الأطر التنظيمية (LMV/MiFID، وMiCA، والتنظيم القطاعي، والقانون الدولي الخاص)؛

وتُهيكل حوكمة الشركات والاتفاقات بين الشركاء والمستثمرين والمشغّلين؛

وتنسّق الشق الضريبي في بيئات تشمل عدة ولايات قضائية؛

وتُعدّ الأصل كي يندرج الترميز، إن كان له محل، في هيكل متين قانونياً.

لا تعمل META Channel Corporation بوصفها مزوّداً يقدّم جميع الخدمات «داخلياً»، بل بوصفها مهندساً استراتيجياً وضابطاً للإيقاع، ينسّق عمل المتخصصين التقنيين والضريبيين والقطاعيين والتكنولوجيين بحسب احتياجات كل مشروع.

النطاق الجغرافي: يمكن، بحسب ما يختاره العميل، أن يتركّز العمل أو لا يتركّز على ربط جزر الكناري، بوصفها مركزاً تكنولوجياً وضريبياً، بالأسواق الناشئة في كولومبيا وأنغولا وبلدان المخروط الجنوبي، مع الاستفادة من أطر Régimen Económico y Fiscal Canario (النظام الاقتصادي والضريبي الخاص بجزر الكناري)، ومنها ZEC (المنطقة الخاصة لجزر الكناري) وRIC (احتياطي الاستثمار في جزر الكناري)، ومن موقع الجزر الاستراتيجي بين أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لا تبيع META Channel Corporation «الترميز». إنها تبيع الهيكلة: تصميم الأصل والأداة القانونية والعملية، بحيث يكون الترميز، حين يكون له معنى، ممكناً وآمناً وقابلاً للتوسع.

10. العودة إلى السؤال الأول

ليس ترخيص Securitize بوصفها SNL DLT نهاية أي شيء، بل بداية مرحلة سيتضح فيها جلياً من فهم أن مركز الثقل يكمن في الأصل وهندسته، ومن بقي أسير الافتتان بالرمز وبالسوق الإلكترونية (marketplace).

للترميز منخفض التكلفة وظيفته: فهو يُدمقرط الوصول، ويُشيع الثقافة المالية، ويفتح الأبواب. لكنه لا يمكن أن يصبح النموذج الذهني لتصميم عمليات معقدة في بيئات عابرة للحدود.

في هذه الشريحة، ليس السؤال «أين ندرج الرمز؟»، بل «ما الذي صمّمناه بالضبط حتى يكون لإدراجه معنى؟».

عن الكاتب

الدكتور Antonio Tejeda Encinas هو الرئيس التنفيذي لشركة META Channel Corporation، وهي «Praxis House» متخصصة في الجمع بين القانون والاستراتيجية والتكنولوجيا في العمليات العابرة للحدود. وتعمل META Channel Corporation في ثلاثة مجالات رئيسية: الهندسة القانونية وهندسة هياكل الشركات في بيئات أوروبا–أمريكا اللاتينية–أفريقيا؛ والاستراتيجية والامتثال التنظيمي في مجال التكنولوجيات الثورية (لائحة MiCA، وقانون الذكاء الاصطناعي، ولائحة DORA، وتوجيه NIS2، واللائحة العامة لحماية البيانات)؛ وتطوير حلول تكنولوجية مسخّرة للامتثال (RegTech وGovTech). وMETA Channel ليست منصة ترميز. أما قسم TokenLab by META Channel فيعمل وحدةً متخصصة في التصميم القانوني والتنظيمي المسبق للأصول الحقيقية التي قد تُرمَّز مستقبلاً، بما يضمن توافقها مع الأطر الأوروبية وغير الأوروبية.

ويرأس الدكتور Tejeda Encinas أيضاً Euro-American Committee of Digital Law - CEA Digital Law، وهي شبكة دولية حاضرة في 25 دولة، تُعنى بالحوكمة الرقمية، ودبلوماسية البيانات، والبحث القانوني التكنولوجي.

النشرة

فعاليات وأخبار وتحليلات في القانون الرقمي تصلك على بريدك، ولا نراسلك إلا حين يكون لدينا جديد.