السيادة الأوروبية بوصفها افتراضاً قانونياً: لماذا يمثّل حلف الناتو آلية الإخضاع الاستراتيجي في الغرب
بقلم Antonio Tejeda Encinas | دكتوراه في القانون (SJD / Dr. iuris) | محلِّل تكنو-جيوسياسي | رئيس Euro-American Committee of Digital Law - CEA Digital Law
أولاً. التشخيص البنيوي: الناتو أداةً لتقنين التراتبية
منذ عام 1949، تعيش أوروبا في ظل وهمٍ مريح مفاده أن أمنها الجماعي يقوم على تحالف بين أنداد. فقد أرست معاهدة شمال الأطلسي رسمياً إطاراً للدفاع المتبادل يضع، من حيث المبدأ، جميع الأطراف على قدم المساواة في مواجهة التهديد. وبعد ستة وسبعين عاماً، تبيّن أن هذه المقدمة ليست سوى بناء خطابي يفتقر إلى أي أساس استراتيجي حقيقي.
فالناتو ليس تحالفاً متكافئاً، بل نظامٌ تراتبي لتقنين القوة، تنفرد فيه واشنطن بقمة القرار، ولا نظير لها في الجانب الأوروبي. وهذه القمة ليست عسكرية فحسب، وإن كانت كذلك في المقام الأول، بل تمتد إلى التكنولوجيا والطاقة والصناعة، لتبلغ في نهاية المطاف السياسة. فالولايات المتحدة لا تتفاوض مع أوروبا داخل الناتو، بل تُبلغها بقرارات استراتيجية يصادق عليها الأوروبيون لاحقاً، وكثيراً ما يتوهمون أنهم شاركوا في صنعها.
وتعمل هذه الآلية من خلال تبعية بنيوية مغلّفة بلغة التعاون. فحين تقرر واشنطن فرض عقوبات عابرة لحدود ولايتها على خصوم جيوسياسيين، يتحول الناتو والإطار عبر الأطلسي إلى منفّذين فعليين لتلك السياسة، دون نقاش استراتيجي مسبق يكون فيه للمصالح الأوروبية وزن مكافئ. وحين تعيد الولايات المتحدة تعريف سياستها الصناعية، من نقل الإنتاج إلى الخارج («offshoring») إلى تقريبه جغرافياً («nearshoring») ونقله إلى الدول الصديقة («friend-shoring»)، تتكيف أوروبا. وحين تقرر أن تقنية الجيل الخامس (5G) تستلزم إقصاء موردين بعينهم، يُتخذ الأمن القومي الأطلسي ذريعةً لقرارات لم تصغها أوروبا بنفسها.
ولا يوجد في أي من هذه الحالات إطارٌ حقيقي متعدد الأطراف لاتخاذ القرار. بل توجد تراتبية فعلية تحدد فيها القوة المهيمنة المعايير، ويصطفّ خلفها الحلفاء الأوروبيون، الذين «يُستشارون» شكلياً، لسبب بسيط: لا بديل لديهم في مجال الدفاع. وهذا العجز ليس عرضياً، بل هو ثمرة قرارات سياسية بنيوية اتُّخذت على مدى عقود.
ثانياً. التناقضات القانونية المستعصية في النظام الأوروبي الأطلسي
يعمل الاتحاد الأوروبي والناتو في فضاء يُفترض أنه فضاء تكامل، وهو في حقيقته تناقضٌ لم يُحسم. فمعاهدة الاتحاد الأوروبي تنص في مادتها 42(7) على التزام بالمعونة والمساعدة المتبادلة إذا تعرّضت دولة عضو لعدوان مسلح «على أراضيها». وفي الوقت ذاته، تنص معاهدة شمال الأطلسي في مادتها الخامسة على التزام بالدفاع الجماعي ضمن إطار سياسي عسكري تقوده الولايات المتحدة.
وما دام الالتزامان يتجهان الوجهة ذاتها، أي نحو خصم خارجي واضح، هو روسيا في العادة، يظل التوتر كامناً. ولكن ماذا يحدث حين تتقاطع المسارات أو تكون مرشحة للتصادم؟ لنفترض أن الدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي وفي الناتو، وجدت نفسها طرفاً في نزاع على السيادة الإقليمية مع قوة أطلسية بشأن إقليم حساس استراتيجياً. السؤال القانوني بسيط، لكنه مدمّر: أين يقع مركز ثقل الرد، أفي المادة 42(7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، أم في المادة الخامسة من ميثاق الناتو؟
يدرك رجل القانون النزيه أن المادة 42(7) ليست «مادة خامسة أوروبية» لها سلسلة قيادة وهيكل لوجستي وتخطيط استراتيجي خاص بها، بل هي بند مساعدة ذو طابع حكومي دولي في جوهره، يُنظَّم حالةً بحالة بين الدول الأعضاء، ويخضع إلى حد بعيد للخيارات الوطنية. أما قراءتها على أنها ناتو مصغّر فضربٌ من الشكلية يصلح للندوات الأكاديمية، لكنها لا تمتّ بصلة إلى واقع القوة. وهنا تحديداً يكمن الخلل: لقد ألزمت أوروبا نفسها قانوناً بالدفاع المتبادل دون أن تمدّ هذا الالتزام بالقوة المؤسسية واللوجستية والتكنولوجية التي تحوّله إلى ضمانة فعلية في مواجهة أي تهديد، بما في ذلك تهديد حليفٍ مهيمن.
ويجسّد الجدل الدائر حالياً حول انطباق المادة 42(7) على غرينلاند هذه الحقيقة بدقة مزعجة. فجانب من الفقه يرى أن أي عدوان على إقليم خاضع للسيادة الدنماركية قد يُفعّل بند المعونة والمساعدة، بينما يشدد جانب آخر على أن الحماية لا تشمل إلا الأقاليم المندمجة كلياً في نطاق تطبيق معاهدات الاتحاد. ومجرد أن يتجادل فقهاء القانون الأوروبيون فيما إذا كان عدوان مسلح على إقليم مرتبط بدولة عضو يدخل في نطاق الدفاع المتبادل أم لا، يكشف إلى أي حد لا تزال «السيادة الاستراتيجية الأوروبية» اليوم مفهوماً لم يكتمل.
وقد حاولت معاهدة لشبونة تدارك هذا القصور عبر السياسة الخارجية والأمنية المشتركة (CFSP) والسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة (CSDP). غير أن كلتيهما أخفقت إخفاقاً بنيوياً: فاشتراط الإجماع في مسائل الدفاع يجعل كل تقدم رهينة 27 حق نقض محتملاً، في حين يعمل الناتو، بقيادة أمريكية، وفق منطق قيادة سياسية مركزة. وفي الواقع العملي، تتفاوض أوروبا مع نفسها بينما تنفّذ واشنطن.
ثالثاً. إعادة التشكيل الجيوسياسي وأزمة الجاهزية الاستراتيجية
ما ظل كامناً لعقود يطفو اليوم بوضوح: النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية آخذ في التفكك. والأعراض متعددة، من الحرب في أوكرانيا، إلى التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى الجدل حول الوضع الاستراتيجي لغرينلاند، لكنها تشير جميعاً إلى حقيقة واحدة: القوى الكبرى تعيد، دون حرج، رسم حدود مصالحها ومواردها وانتشارها العسكري.
وأوروبا، التي ائتمنت على أمنها تحالفاً تحتل فيه موقع التابع، تكتشف فجأة أنها بلا دفاع مستقل. لا لأن الولايات المتحدة تخلّت عنها؛ بل على العكس، فهي لا تزال تحتفظ بوجود عسكري كبير في القارة. غير أن هذا الوجود لم يعد يعبّر عن التزام «بالدفاع عن أوروبا» بالمعنى الدقيق، بل عن تموضع أمريكي في سياق التنافس على أوراسيا في مواجهة روسيا والصين. فأوروبا هي الرقعة التي تخوض عليها واشنطن أهم جولاتها؛ وفوز أوروبا أو خسارتها يدخل في الحساب، لكنه لا يحسمه.
وهذا التحول منسجم استراتيجياً من وجهة النظر الأمريكية. فللولايات المتحدة مصالح عالمية، ولأوروبا مصالح أوروبية. وحين تتطابق هذه المصالح، يؤدي الناتو دور آلية لإضفاء الشرعية على قرارات اتُّخذت في واشنطن. وحين تتباين، يتحول الناتو إلى ساحة تُفرض فيها الأولوية الأمريكية وتُنحّى الأولوية الأوروبية. ولا تكافؤ ممكناً حين يستطيع أحد الطرفين أن يحدد منفرداً نطاق التهديد، بينما يعتمد الآخر عليه في الدفاع عن نفسه.
يُضاف إلى ذلك أن لإعادة التشكيل الجيوسياسي بعداً تكنولوجياً لم يعد ممكناً حصره في حاشية. فالسيطرة على المجال التكنولوجي، من بنى تحتية حيوية وبيانات وأشباه موصلات ودفاع سيبراني، باتت اليوم لا تقل أهمية عن السيطرة على الإقليم المادي. ومن خلال شركاتها وآلياتها التنظيمية (العقوبات العابرة للحدود، وضوابط التصدير، وفحص الاستثمارات)، تتحكم الولايات المتحدة في التقنيات الأوروبية التي يمكن تطويرها، والجهات التي يمكن التعاون معها، والقيود التي يجري ذلك في ظلها. ويُستخدم الأمن الأطلسي أداةً لإضفاء الشرعية على تلك القرارات.
وبعبارة أخرى، تستخدم أوروبا الناتو لإخضاع نفسها بنفسها: فهي تطلق اسم التعاون على ترتيب أوكلت فيه إلى طرف ثالث تحديدَ مخاطرها، وحلفائها التكنولوجيين، وحدودها الصناعية.
رابعاً. مفارقة الدفاع المتبادل في نظام تراتبي
ثمة سؤال لم تُجب عنه أي مؤسسة أوروبية بصدق: ما معنى «الدفاع المتبادل» حين يكون أحد أعضاء التحالف قوة مهيمنة عالمية، وسائر الأعضاء قوى إقليمية محدودة القدرات؟
تقوم نظرية الدفاع الجماعي على فرضية تماثل نسبي: مساهمة متناسبة، ومنفعة مشتركة، وتهديد خارجي مشترك. أما في الممارسة الأطلسية، فالتهديد يُحدَّد في واشنطن. فحين تكون روسيا هي الأولوية، تتجه الأموال الأوروبية نحو الجناح الشرقي. وحين تتصدر الصين جدول الأعمال الأمريكي، يبدأ الناتو في التحول خطابياً نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، رغم أن معظم الدول الأوروبية لا تملك قدرة حقيقية على الانتشار في ذلك المسرح.
وما يجعل «الدفاع المتبادل» الحقيقي مستحيلاً بنيوياً هو أنه، في حال نشوب نزاع مباشر بين الولايات المتحدة وعضو آخر في الناتو، لا توجد آلية مؤسسية تتيح لأوروبا أن تؤدي دور الحَكَم أو الثقل الموازن. فالتصميم يقنّن التبعية: واشنطن تقرر، والبقية ينفّذون أو يمتنعون.
خامساً. السؤال المُحرج: هل يستطيع الناتو حماية أوروبا من الولايات المتحدة؟
هذا هو السؤال الذي تتجنبه الخطابات الرسمية، لكن على كل محلل جيوسياسي جاد أن يطرحه: هل توجد في البنية الأطلسية أي آلية تتيح لأوروبا أن تدافع عن نفسها في مواجهة عدوان أو ضغط أو إملاء استراتيجي مصدره الولايات المتحدة؟
والجواب قاطع: لا. فمعاهدة شمال الأطلسي لا تتصور مجرد احتمال أن تتصرف القوة المهيمنة تصرّف المعتدي على المصالح الحيوية لأحد حلفائها. وليس ذلك ثغرة، بل هو من صميم التصميم. فقد أُنشئ الناتو ليتيح لواشنطن التصرف تحت مظلة شرعية تحالف جماعي، لا ليمنح الأوروبيين أدوات لكبحها.
ولنمضِ بالمنطق إلى أقصاه لنكشف هشاشة النظام. لو قرر رئيس أمريكي أن موارد غرينلاند الاستراتيجية، أو الموقع الجغرافي لسبتة أو مليلية أو جزر الكناري، ضرورية للأمن القومي للولايات المتحدة إلى حد يسوّغ ضغطاً شديداً أو حتى عملاً بالقوة، فماذا عسى أوروبا أن تفعل؟ أتحتجّ بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو في مواجهة واشنطن؟ أمرٌ لا يُتصوَّر. أتُفعّل المادة 42(7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي أساساً لدفاع أوروبي في مواجهة الحليف؟ ممكنٌ نظرياً، وانتحارٌ سياسياً.
والسبب في أن هذا السيناريو لم يتحقق ليس متانة الإطار القانوني، بل التقاء ظرفي للمصالح. وهذا الالتقاء ليس بنية، بل ظرف. والظروف تتغير.
سادساً. نحو دفاع أوروبي مستقل: ضرورة لا تحتمل التأجيل
تحتاج أوروبا، بإلحاح لم يعد يحتمل خطاب المراوغة، إلى قدرة دفاعية مستقلة لا تتوقف على الإرادة الأمريكية. ولا يعني ذلك قفزة في المجهول خارج الناتو بين ليلة وضحاها، فذلك تهوّر استراتيجي، لكنه يقتضي أن تُبنى، بالتوازي، بنية عسكرية وتكنولوجية وصناعية قادرة على العمل دون المظلة الأطلسية.
ويعني ذلك، عملياً:
- تكاملٌ عسكري أوروبي حقيقي يتجاوز الفسيفساء الحالية من الجيوش الوطنية، ويتقدم نحو قدرات مشتركة في القيادة والتخطيط والانتشار.
- استراتيجيةٌ للاستقلال التكنولوجي في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والدفاع السيبراني والتحكم في البيانات، تقلّص الاعتماد على البنى التحتية والمنصات الأمريكية.
- سياسةٌ للطاقة تقلّص إلى أدنى حد الانكشاف أمام قرارات العقوبات الصادرة عن الغير، أمريكيةً كانت أو من أطراف أخرى، وتنسجم مع تصور أمني أوروبي غير تابع.
- بنيةٌ تنظيمية وتشغيلية تجعل المادة 42(7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، في سلّم القرارات، التعبيرَ الأسمى عن الدفاع الأوروبي، لا مجرد حاشية على المادة الخامسة من ميثاق الناتو.
ولا شيء من ذلك ممكن ما دام الاتحاد الأوروبي حبيس قاعدة الإجماع في شؤون الدفاع، ومستكيناً إلى ما توفره الوصاية الأطلسية من راحة سياسية. ففرنسا تدرك ذلك منذ عهد De Gaulle، وألمانيا بدأت تستشعره، وبقية القارة تتأرجح بين القلق والجمود.
سابعاً. الخيار المؤجَّل: قوة ذات سيادة أم إقليم يُدار من الخارج
تواجه أوروبا خياراً ليس تقنياً، بل وجودياً: أن تقرر ما إذا كانت تريد أن تكون فاعلاً ذا سيادة في التاريخ، أم ترضى بأن تكون إقليماً تديره قوة خارجية تحت السردية المطمئنة لـ«الدفاع الجماعي».
والناتو، بصيغته الحالية، يجعل الخيار الأول متعذراً. لا لأن النية الأمريكية افتراسية بالضرورة، بل لأن البنية المؤسسية تقنّن تراتبية تستبعد التكافؤ. وما دامت أوروبا تفوّض دفاعها إلى واشنطن، فستفوّض إليها سياستها الخارجية، وسياستها التكنولوجية، وفي نهاية المطاف سيادتها ذاتها.
إن التفكير في أفق ما بعد الناتو ليس تمريناً في معاداة أمريكا، بل هو تعبير عن نضج استراتيجي. فعلى أوروبا أن تمتلك قدرة دفاعية مستقلة تتيح لها التعاون مع الولايات المتحدة من موقع الندية لا من موقع التبعية. عندئذ فقط يكفّ الاتحاد الأوروبي عن أن يكون افتراضاً قانونياً متقن الصنع، ويبدأ في الوجود فاعلاً كامل الأهلية في النظام الدولي.
النشرة
فعاليات وأخبار وتحليلات في القانون الرقمي تصلك على بريدك، ولا نراسلك إلا حين يكون لدينا جديد.



