,

الوصية الرقمية: حين تخطئ التقنية في تشخيص المشكلة.

الوصية الرقمية: حين تخطئ التقنية في تشخيص المشكلة.

SJD / Dr. iuris Antonio Tejeda Encinas رئيس Euro-American Committee of Digital Law - CEA Digital Law | الرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corporation

شاع في السنوات الأخيرة الحديث عن الوصية الرقمية كما لو كنا أمام فئة قانونية جديدة قيد التشكل، لا ينقصها إلا أن «يتكيف» القانون الوضعي مع التقنية. وتُستحضر في هذا السياق سلسلة الكتل، وعدم قابلية البيانات للتعديل، والبصمات الرقمية (hashes) أدلةً للإثبات، والعقود الذكية التي يُفترض أن تنفّذ تلقائياً الإرادة الأخيرة للمورِّث. والتشخيص في العمق واحد دائماً: قانون المواريث متخلف عن الواقع التكنولوجي. وهذا التشخيص خاطئ.

فقانون المواريث ليس متأخراً، بل يفعل تماماً ما ينبغي له أن يفعله. والمشكلة ليست أن التقنية لم تُدمج بعد، بل أن ثمة محاولة لدمجها في الموضع الخطأ. فحين تشترط الأنظمة القانونية الشكل الرسمي، أو التحقق من الأهلية، أو احترام الحصة المحفوظة للورثة، فإنها لا تفعل ذلك جرياً على تقليد قانوني، بل لمواجهة نزاعات واقعية محددة: ضغوط الأسرة، وهشاشة وضع المورِّث، والحاجة إلى توقّع مآل الذمة المالية، والحدّ من النزاعات اللاحقة.

إن نواة قانون المواريث، أي الطابع الآمر لبعض قواعده، والأشكال الرسمية، والقيود على سلطان الإرادة، لا تكشف عن عجز عن استيعاب الابتكار، بل عن خيار مقصود في السياسة التشريعية. فالشكل في الوصية لا يؤدي وظيفة إثباتية فحسب، بل وظيفة منشئة: فهو لا يقتصر على إثبات الإرادة، بل يكوّنها قانوناً في ظل ضمانات. ولهذا لا يتوخى قانون المواريث الكفاءة ولا الأتمتة، بل يتوخى استقرار الذمم المالية، ومنع التعسف، والتحقق من الأهلية، وأمن الانتقال بين الأجيال. ولهذا يشترط وساطة مؤهلة. ولهذا يرتاب في الفورية. ولهذا يُدخل على الإجراءات قدراً من البطء المقصود.

أما التقنية، فهي بطبيعتها تدفع في الاتجاه المعاكس.

وهنا يظهر الخطأ المفاهيمي الذي يُثقل كثيراً من مشاريع التقنية القانونية (LegalTech) في مجال المواريث: الخلط بين عدم القابلية للتعديل تقنياً والصحة القانونية. فتسجيل التصرف تسجيلاً لا يقبل التغيير لا يجعله صحيحاً. والبصمة الرقمية (hash) لا تُصلح انعدام الأهلية. والعقد الذكي لا يحل محل التقدير القانوني للإدراك والتمييز، ولا محل البحث فيما إذا كانت الإرادة حرة أو واقعة تحت تأثير الغير. وقابلية التتبع لا تُغني عن الشكل حين يكون الشكل ضمانة بنيوية، لا مجرد طقس.

ومن هذا الالتباس تنشأ فكرة جذابة في عرضها، متعذرة قانوناً، هي فكرة وصية «على السلسلة» (on-chain) ترتّب آثاراً إرثية لمجرد وجودها تقنياً. هذا النموذج ليس ابتكاراً جذرياً، بل هو متعارض مع منطق قانون المواريث في نظم القانون المدني. لا لأن القانون محافظ، بل لأن هذا الطرح يتجاهل وظيفته الجوهرية: تنظيم انتقال الأموال بسبب الوفاة في ظل شروط من الرقابة الخارجية، وقابلية التحقق، والحجية في مواجهة الكافة.

وفي غضون ذلك، تكمن المشكلات الحقيقية في مكان آخر: تركات تضم أصولاً مشفرة يتعذر على الورثة الوصول إليها، وحسابات على منصات رقمية يضيع التحكم فيها بوفاة صاحبها، واستجابات تشريعية مجزأة للأصول الرقمية تمزج الفراغ التنظيمي بحلول جزئية، بل ومتناقضة أحياناً. ولا شيء من ذلك يُحَل بـ«رفع الوصية إلى سلسلة الكتل».

أما المجال الذي تملك فيه التقنية فعلاً ما تقدمه، وفيه تكمن فائدتها، فليس إنشاء سند الإرث، بل بنيته التحتية: إثبات معزّز لسلامة البيانات وتسلسلها الزمني، وحفظ قابل للتدقيق لنسخ الإرادة المتعاقبة، وإدارة آمنة للأصول الرقمية وبيانات الدخول، وبروتوكولات للوصول بعد الوفاة تحت رقابة أطراف مؤهلة، وتنفيذ مشروط وقابل للعدول لتعليمات معينة، على أن يظل ذلك كله خاضعاً لسند إرث صحيح. وكل ذلك يعزز النظام دون أن يُفقده طبيعته.

فالمستقبل ليس الوصية الرقمية بوصفها بديلاً عن الوصية القانونية، بل الوصية الصحيحة قانوناً المدعومة بالتقنية. والفرق ليس في التسمية، بل في البنية؛ إذ يفرض التمييز بين عناصر النظام التي يجوز التصرف فيها، وتلك التي تؤدي وظيفة ضمانٍ لا يجوز المساس بها.

ولذلك يلفت النظر أن النقاش العام لا يزال يدور حول ما إذا كان على القانون أن «يتنازل» أمام التقنية. فالسؤال الجوهري مختلف: هل نصمم تقنية تفهم المنطق الداخلي لقانون المواريث، أم أننا ما زلنا نُسقط عليه تصوراً مبسّطاً للكفاءة يبدو متماسكاً في ورقة بيضاء (white paper)، لكنه ينهار ما إن يصل إلى المحكمة؟

إن قانون المواريث لا يحتاج إلى إلغاء الوساطة، بل إلى وساطة قانونية وتقنية أفضل.

وما لم يُستوعب ذلك، ستظل تظهر حلول محكمة تقنياً وعديمة الجدوى قانوناً. وسيظل يُطلق اسم «مقاومة القانون» على ما هو في الحقيقة دفاع واعٍ عن وظائف لا تستطيع أي تقنية، مهما بلغت من تطور، أن تحل محلها، ولا ينبغي لها ذلك.

النشرة

فعاليات وأخبار وتحليلات في القانون الرقمي تصلك على بريدك، ولا نراسلك إلا حين يكون لدينا جديد.